فصل: تفسير الآيات رقم (17- 19)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 98‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ‏(‏95‏)‏ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏96‏)‏ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏97‏)‏ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏98‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الصَّيْد‏:‏ مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ‏:‏ الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ ‏"‏، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كُتُب الفقْه، و‏{‏حُرُم‏}‏‏:‏ جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله‏:‏ ‏{‏مُّتَعَمِّداً‏}‏، فقال مجاهد وغيره‏:‏ معناه‏:‏ متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإِحرامه، فهو أعظمُ مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له‏.‏

وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم‏:‏ المتعمِّد‏:‏ القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع وغيره‏:‏ «فَجَزَاءُ مِثْلِ»، بإضافة الجزاء إلى «مثل»، وقرأ حمزة وغيره‏:‏ «فَجَزَاءُ» بالرفع، «مِثْلُ» بالرفع أيضاً، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ وغيره هذا القولَ، والنَّعَم‏:‏ لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس‏.‏

قال ابنُ وهْب في «العتبية»‏:‏ من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد؛ كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً؛ لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة»‏:‏ إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال‏:‏ وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا‏:‏ إنما يقالُ‏:‏ كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال‏:‏ كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ‏؟‏ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه؛ لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَدْياً بالغ الكعبة‏}‏ ذكرت «الكعبة»؛ لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ؛ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ‏.‏

واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ‏:‏ الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره‏:‏ الهَدْيُ والإطعام بمكَّة، والصوم حيث شِئْتَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ‏}‏‏:‏ الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ‏:‏ سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب ‏{‏أَمَرَه‏}‏ عن جميع حاله؛ مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏عَفَا الله عَمَّا سَلَف‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة‏:‏ معناه‏:‏ عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا‏:‏ وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ ‏(‏رحمهم اللَّه‏)‏، وقال ابن عباس وغيره‏:‏ أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له‏:‏ ينتقم اللَّه منْكَ؛ كما قال اللَّه تعالى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله عَزِيزٌ ذُو انتقام‏}‏‏:‏ تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ خَاَف أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ ‏"‏، قلت‏:‏ والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ البَحْر‏:‏ الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير‏:‏ بحرٌ، وطعامه‏:‏ هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه؛ قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم؛ وهو مذهبُ مالكٍ‏.‏

و ‏{‏متاعا‏}‏‏:‏ نصبٌ على المَصْدر، والمعنى‏:‏ مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعُونَ به، وتأْتَدِمُونَ، و‏{‏لَكُمْ‏}‏‏:‏ يريدُ حاضري البَحْر ومُدُنِهِ، و‏{‏لِلسَّيَّارَةِ‏}‏‏:‏ المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً‏}‏، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته؛ فقالوا‏:‏ إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏ لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله، وقال بمثل قولِ عمر عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام؛ وهو الصحيحُ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حَلاَلٌ، والنبيُّ عليه السلام مُحْرِم‏.‏

ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير؛ ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله‏:‏ ‏{‏جَعَلَ الله الكعبة البيت‏}‏؛ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي‏:‏ أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممَّا شرعه وارتضاه، و‏{‏جَعَلَ‏}‏، في هذه الآيةِ‏:‏ بمعنى «صَيَّر»، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة‏:‏ كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قِيَاماً لِّلنَّاسِ‏}‏، أي‏:‏ موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ‏:‏ معنى ‏{‏قِيَاماً لِّلنَّاسِ‏}‏، أي‏:‏ جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس؛ فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد‏:‏ كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض‏.‏ انتهى من «الهداية»‏.‏

والشهرُ هنا‏:‏ اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه؛ لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره شيئاً، فكان ذلك أماناً له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله ‏{‏ذلك‏}‏‏:‏ إشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قياماً‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏‏:‏ عامٌّ عموماً تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحادٌ في الدِّين وكُفْر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 100‏]‏

‏{‏مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ‏(‏99‏)‏ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ إخبارٌ للمؤمنين مضمَّنه الوعيدِ، إنِ انحرفوا، ولم يمتثلُوا ما بلغ الرسُولُ إليهم، ‏{‏والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ‏}‏، قلت‏:‏ قال الشيخُ أبو مَدْيَن ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏‏:‏ الحَقُّ تعالى مطَّلع على السرائر والظواهرِ في كلِّ نَفَسٍ وحالٍ، فأيُّما قلْبٍ رآه مؤثراً له، حَفِظَهُ من الطوارق والمِحَنِ ومضلاَّت الفِتَن، وقال ‏(‏رحمه اللَّه‏)‏‏:‏ ماعرف الحَقَّ مَنْ لم يُؤْثره، وما أطاعه مَنْ لم يَشْكُرْه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ألاية‏:‏ لفظ عامٌّ في جميع الأمور، فيتصوَّر في المكاسِب، وعدد النَّاس، والمعارفِ مِنَ العلوم ونحوِهَا، فالخبيثُ مِنْ هذا كلِّه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِبُ، ولا تحسُنُ له عاقبةٌ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ‏:‏ نافعٌ جميل العاقبة، ويَنْظُرُ إلى هذه الآيةِ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 58‏]‏، والخبث‏:‏ هو الفساد الباطنُ في الأشياء حتى يظن بها الصَّلاح، وهي بخلافِ ذلك‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاتقوا الله ياأولي الألباب‏}‏‏:‏ تنبيهٌ على لزوم الطَّيِّب في المعتقَدِ والعملِ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر؛ لأنهم المتقدِّمون في مَيْز هذه الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها؛ مع ألبابهم وإدراكهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 102‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏101‏)‏ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف الرواةُ في سببها، والظاهرُ مِنَ الروايات أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَلَحّت علَيْه الأعراب والجُهَّال بأنواع من السؤالاتِ، حَسْبَما هو معلومٌ في الروايات، فزَجَرهم اللَّه تعالى عَنْ ذلك بهذه الآيةِ، وأشْيَاء‏:‏ اسمٌ لجَمْعِ شيْءٍ، قال ابنُ عباس‏:‏ معنى الآية‏:‏ لا تسأَلُوا عن أشياء في ضِمْن الأنباء عنْها مساءَةٌ لكم؛ إما بتكليفٍ شرعيٍّ يلزمكم، وإما بخَبَر يسوءُكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربُّكم بأمر، فحينئذٍ إنْ سألتم عن تَفْصيله وبَيَانِهِ بُيِّنَ لكم، وأُبْدِيَ، ويحتملُ قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان تُبْدَ لَكُمْ‏}‏؛ أنْ يكون في معنى الوعيدِ؛ كأنه قال‏:‏ لا تسألوا، وإن سألتم، لَقِيتُمْ غِبَّ ذلك وصعوبته، قال النوويُّ‏:‏ وعن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ، قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ؛ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً؛ فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ؛ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ؛ رَحْمَةً بِكُمْ، لاَ عَنْ نِسْيَانٍ؛ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا ‏"‏، ورُوِّينَاه في «سنن الدارقطنيِّ»‏.‏ انتهى، وفي «صحيح البخاريِّ»، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ‏:‏ ‏"‏ دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فاجتنبوه، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا استطعتم ‏"‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏عَفَا الله عَنْهَا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، ‏{‏قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ‏}‏ قال الطبريُّ‏:‏ كقومِ صالحٍ؛ في سؤالهم الناقة؛ وكبني إسرائيل؛ في سؤالهم المائدةَ، أي‏:‏ وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تَفِ بما كُلِّفَت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 104‏]‏

‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏103‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏104‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أي‏:‏ لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى‏:‏ ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك؛ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم؛ ‏{‏يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب‏}‏؛ بقولهم‏:‏ هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، ‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ الأتْبَاعَ ‏{‏لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏، بل يتَّبِعون هذه الأمور تقليداً، و‏{‏جَعَلَ‏}‏ في هذه الآية‏:‏ لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ»، ولا بمعنى «صَيَّرَ»، وإنما هي بمعنى‏:‏ «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ»،

قال * ص *‏:‏ ‏{‏مَّا جَعَلَ‏}‏‏:‏ ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ إلى أنها بمعنى‏:‏ «شَرَعَ»، قال ابن عطيَّة‏:‏ ولا تكونُ بمعنى «خلق»، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى «صيَّر»؛ لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان‏:‏ ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي‏:‏ ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حامياً مشروعاً، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء؛ أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وحاصل كلامِ أبي حيَّان؛ أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ‏.‏

وبحيرة‏:‏ فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ‏:‏ شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها؛ إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال؛ وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة‏:‏ هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب؛ كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ؛ ذكَره السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ‏:‏ قال أكثر النَّاس‏:‏ إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، استحيوها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، استحيوهما، وقالوا‏:‏ هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب؛ أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي؛ فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين، وقيل‏:‏ إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل‏:‏ إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا‏:‏ حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر‏:‏ وقيل‏:‏ الحامِي‏:‏ الفَحْلُ؛ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ‏.‏ انتهى، قلتُ‏:‏ والذي في «البخاريِّ»‏:‏ والحامِ‏:‏ فحلُ الإبلِ يَضْرِب الضِّرَابَ المعدُودَ، وإذا قضى ضِرَابه، وَدَعُوهُ للطَّواغيتِ، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَلْ شيءٌ عليه، وسمَّوْه الحامِيَ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ لهؤلاءِ الكفار المستنِّينَ بهذه الأشياء‏:‏ ‏{‏تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله‏}‏، يعني‏:‏ القرآن الذي فيه التحريمُ الصحيحُ، ‏{‏قَالُواْ حَسْبُنَا‏}‏، معناه‏:‏ كَفَانَا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال أبو ثعلبة الخُشَنِيُّ‏:‏ سَأَلتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ هذه الآيةِ، فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ ائتمروا بِالمَعْرُوفِ وانهوا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعاً، وإعْجَابَ كُلِّ ذِيَ رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، وذَرْ عَوَامَّهُمْ؛ فَإنَّ وَرَاءَكِمُ أَيَّاماً؛ أَجْرُ العَامِلِ فِيهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ‏"‏، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي لاَ نَظَرَ لأحَدٍ مَعهُ؛ لأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاَحِ صادرٌ عن النبيِّ عليه السلام، وجملةُ ما عليه أهْلُ العِلْمِ في هذا أنَّ الأمر بالمعروفِ متعيِّن، متى رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ ردُّ الظالم، ولو بعنف ما لم يَخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقه في خاصَّته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المُسْلمين؛ إما بشَقِّ عَصَا، وإما بضَرَرٍ يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا، ف ‏{‏عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏}‏‏:‏ محكَمٌ واجبٌ أنْ يوقَفَ عنده‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏، هذا تذكيرٌ بالحَشْر وما بعده، وذلك مُسَلٍّ عن أمور الدنيا، مكروهِهَا ومحبوبِها، رُوِيَ عن بعض الصالحين؛ أنه قال‏:‏ ما مِنْ يَوْمٍ إلاَّ ويجيءُ الشيطانُ، فيقول‏:‏ ما تأكلُ، وما تلبسُ، وأين تَسْكُنُ، فأقول له‏:‏ آكُلُ المَوْتَ، وألْبَسُ الكَفَنَ، وأسْكُنُ القَبْرَ‏.‏

قال * ع *‏:‏ فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ‏:‏ وخرَّج البغويُّ في «المسنَدِ المنتَخَبِ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العَوَازِبُ أَنْ تَؤوبَ إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ ‏"‏ انتهى من «الكوكب الدري»، واللَّه المستعان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 108‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ ‏(‏106‏)‏ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏107‏)‏ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةَ، إلى قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 109‏]‏ قال مكِّيٌّ‏:‏ هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها؛ وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين‏.‏

لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنَّ تميماً الدَّارِيَّ وعَدِيَّ بْن بَدَّاء، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ؛ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر‏:‏ وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ وعديٍّ؛ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ؛ أنه قال‏:‏ بَرِئ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة، إلا أنه قال‏:‏ وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ‏.‏

قال * ع *‏:‏ واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعْضُ المتأخِّرين، ولا وجه عندي لذكْره في الصَّحابة‏.‏

وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ‏:‏ أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة؛ أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم، قالوا‏:‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏مِّنكُمْ‏}‏، أي‏:‏ مِنَ المؤمنين، ومعنى‏:‏ ‏{‏مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏، أي‏:‏ من الكافرين‏.‏

قال بعضهم‏:‏ وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره؛ أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم؛ أنها منسوخةٌ؛ بقوله‏:‏

‏{‏وَأَشْهِدُواْ ذَوِيْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 2‏]‏؛ وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس؛ أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ،

قال * ع *‏:‏ ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيدَ؛ لأن الناس خَلَطُوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شهادة بَيْنِكُمْ‏}‏، هي الشهادةُ التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء، والخَبَرُ في قوله‏:‏ ‏{‏اثنان‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت‏}‏‏:‏ إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة»، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ»، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله‏:‏ ‏{‏شهادة بَيْنِكُمْ‏}‏؛ إذ المعنى‏:‏ إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله‏:‏ ‏{‏حِينَ الوصية‏}‏‏:‏ ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه ‏{‏حَضَرَ‏}‏، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ «إذا»، وقوله‏:‏ ‏{‏ذَوَا عَدْلٍ‏}‏‏:‏ صفة لقوله‏:‏ ‏{‏اثنان‏}‏، و‏{‏مِّنكُمْ‏}‏‏:‏ صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏‏:‏ صفةٌ ل ‏{‏ءَاخَرَانِ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏تَحْبِسُونَهُمَا‏}‏‏:‏ صفة ل ‏{‏ءَاخَرَانِ‏}‏ أيضاً، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنتُمْ‏}‏، إلى ‏{‏الموت‏}‏، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ»؛ لِمَا تقدَّم من قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏، وقال جمهورٌ مِن العلماء‏:‏ الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس‏:‏ إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله‏:‏ ‏{‏فَيُقْسِمَانِ‏}‏‏:‏ عاطفةٌ جملةً على جملةٍ؛ لأن المعنى تَمَّ في قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ بَعْدِ الصلاة‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِ ارتبتم‏}‏ شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن‏:‏ ‏{‏لاَ نَشْتَرِي بِهِ‏}‏‏:‏ عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ نَشْتَرِي‏}‏ جوابٌ يقتضيه قوله‏:‏ ‏{‏فَيُقْسِمَانِ بالله‏}‏؛ لأن «أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله‏:‏ ‏{‏ثَمَناً‏}‏، أي‏:‏ ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر؛ لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله‏}‏، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره‏:‏ «شَهَادَةً» بالتنوين، «اللَّه» بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ، وقال أيضاً‏:‏ يقف على الهاء مِن‏:‏ «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ؛ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ‏:‏ «آللَّهِ» بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن، أعني‏:‏ بسكون الهاء من «شهادة»، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة»، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح‏:‏ إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِنْ عُثِرَ‏}‏‏:‏ استعارة لما يُوقَعُ على علمه بعد خَفَائه، و‏{‏استحقا إِثْماً‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له؛ لأنهما ظَلَمَا وخَانَا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَآخَرَانِ‏}‏، أي‏:‏ إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية‏:‏ آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ وغيره‏:‏ «استحق» مضمومةَ التاءِ، «والأَوْلَيَانِ»؛ على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ‏:‏ «استحق» بفتح التاء؛ وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏استحق‏}‏‏:‏ استعارة؛ لأنه وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ‏:‏ «هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه»، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً؛ إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه؛ وهكذا هي «استحقَّ» في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه‏.‏

وقرأ حمزة وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر‏:‏ «استحق» بضم التاء، «الأَوَّلِينَ»‏:‏ على جَمْعِ أوَّل؛ ومعناها‏:‏ من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ؛ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي‏:‏ في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ‏}‏، ثم بعد ذلك قال‏:‏ ‏{‏أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَيُقْسِمَانِ‏}‏، يعني‏:‏ الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما‏:‏ ‏{‏لشهادتنا‏}‏؛ أي‏:‏ لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلاً وحرَّفاه، ‏{‏وَمَا اعتدينا‏}‏؛ في قولنا هذا، وقولُهما‏:‏ ‏{‏إِنَّا إِذَاً لَمِنَ الظالمين‏}‏‏:‏ تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الإشارة ب «ذلك» هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ؛ مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر على جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى اعتدال هذا الصِّنْف فيما عسى أنْ ينزل من النوازلِ؛ لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين؛ هذا قولُ ابنِ عبَّاس، وجُمِعَ الضميرُ في ‏{‏يَأْتُواْ‏}‏ أو ‏{‏يخافوا‏}‏؛ إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنى‏:‏ ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلى أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 111‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏109‏)‏ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏110‏)‏ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل‏}‏؛ ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في ‏{‏يَوْمٍ‏}‏‏:‏ ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ يَهِدِّي‏}‏، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفاً، والعاملُ مقدَّر، إما «اذكر»، أو‏:‏ «تَذَكَّرُوا»، أو «احذروا»، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ اختصاره؛ لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر؛ لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلاً، و‏{‏مَاذَا أَجَبْتُمُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم عليهم السلام‏:‏ ‏{‏لاَ عِلْمَ لَنَا‏}‏‏:‏ قال الطبريُّ‏:‏ ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع؛ وقاله الحسنُ، وعن مجاهدٍ؛ أنه قال‏:‏ يَفْزَعُون، فيقولُون‏:‏ لا علْمَ لنا، وضعَّف بعضُ النَّاس هذا المنْزَع؛ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 103‏]‏، وقال ابنُ عبَّاس‏:‏ معنى الآية‏:‏ لاَ عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتنا؛ أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي؛ لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالى، وردِّ الأمر إلَيْه؛ إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك؛ على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ‏:‏ قال ابنُ عباس‏:‏ المعنى‏:‏ لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به منَّا، وهو اختيار الطبريِّ، وقيل‏:‏ لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ؛ إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر؛ قال مكِّيٌّ‏:‏ وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال‏:‏ ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْه؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 8‏]‏، انتهى من «الهداية»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ هنا بمعنى يَقُولُ؛ لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة؛ تقدمة لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى‏}‏، أي‏:‏ من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلى تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين‏}‏، هو مِنْ جملة تعديدِ النِّعمِ على عيسَى عليه السلام‏:‏ و‏{‏أَوْحَيْتُ‏}‏؛ في هذا الموضع‏:‏ إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية‏:‏ عيسى، وقولُ الحواريِّين‏:‏ ‏{‏واشهد‏}‏‏:‏ يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 113‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏112‏)‏ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ الحواريون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اعتراضٌ أثناء وَصْفِ حالِ قول اللَّه لعيسى يوم القيامة، مضمَّن الاعتراض إخبارُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته بنازلةِ الحواريِّين في المائدة، إذ هي مثالٌ نافعٌ لكلِّ أُمَّة مع نبيِّها تقتدِي بمحاسِنِهِ، وتزدجرُ عمَّا ينفُر منه مِنْ طلب الآياتِ ونحوه، وقرأ الجمهورُ‏:‏ «هَلْ يَسْتَطِيعُ ربُّك» بالياءِ ورَفْعِ الباءِ من «رَبُّكَ»، والمعنى‏:‏ هلْ يفعلُ ربُّك هذا، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ؛ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته، وقرأ الكسائيُّ‏:‏ «هلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ» بالتاء ونصبِ الباءِ مِنْ «رَبَّكَ»، والمعنى‏:‏ هل تَسْتطيعُ سؤَالَ ربِّك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائيَّ، وقال قومٌ‏:‏ قال الحواريُّون هذه المقالةَ فِي صَدْر الأمر قبل عِلْمهم بأنه يُبْرِئ الأكمه والأبْرَصَ، ويُحْيِي الموتى، ويظهر من قوله عليه السلام‏:‏ ‏{‏اتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏‏:‏ إنكارٌ لقولهم، واقتراحهم الآياتِ، والتعرُّضِ لسَخطِ اللَّه بها، وقلَّةِ طُمَأْنينتهم إلى ما قد ظهر، ولمَّا خاطبهم عليه السلام بهذه المخاطَبَة، صرَّحوا بمقاصدهم الَّتي حملَتْهم على طَلَب المائدةِ، فقالوا‏:‏ ‏{‏نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا‏}‏؛ فنَشْرُفَ في العالَم، ‏{‏وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا‏}‏، أي‏:‏ تسكُنَ فِكرُنَا في أمرك بالمعايَنَةِ لأَمْرٍ نازلٍ من السماء بأعيننا، ‏{‏وَنَعْلَمَ‏}‏ علْمَ الضرورةِ والمشاهدةِ؛ ‏{‏أَن قَدْ صَدَقْتَنَا‏}‏؛ فلا تَعْرِضُنا الشُّبَهُ التي تَعْرِضُ في عِلْم الاستدلالِ؛ وهذا يؤيِّد أنَّ مقالتهم كانَتْ في مبدأ أَمْرهم، ثم استمروا على إيمانهم، وصَبَرُوا، وهَلَكَ مَنْ كَفَر، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين‏}‏، أي‏:‏ من الشاهدينَ بهذه النازلةِ، النَّاقلين لها إلى غيرنا الدَّاعين إلى هذا الشَّرْع؛ بسببها، ورُوِيَ أن الذي نَحَا بهم هذا المنحى مِنَ الاقتراح هو أنَّ عيسى قال لهم مرَّةً‏:‏ «هَلْ لَكُمْ فِي صِيَامِ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ إنْ سَأَلْتُمُوهُ حَاجَةً، قَضَاهَا»، فَلَمَّا صَامُوهَا، قَالُوا‏:‏ يا معلِّم الخَيْر، إنَّ حقَّ مَنْ عمل عملاً أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يستطيعُ ربُّكَ، فأرادوا أنْ تكون المائدةُ عِيدَ ذلك الصَّوْم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 115‏]‏

‏{‏قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏114‏)‏ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ أجابهم عيسى عليه السلام إلى ما سألوا، فيروى أنه لَبِسَ جُبَّة شَعْرٍ، ورداءَ شَعْرٍ، وقام يصلِّي، ويبْكِي، والعيدُ‏:‏ المجتمعُ، وقوله‏:‏ ‏{‏لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا‏}‏، رُوِيَ عن ابن عَبَّاس؛ أن المعنى‏:‏ يكون مجتمعاً لجميعنا أوّلِنا وآخرنا، قال‏:‏ فأكل من المائدة حِينَ وُضِعَتْ أولُ النَّاس؛ كما أكل آخرِهم، ‏{‏قَالَ عِيسَى‏}‏، أيْ‏:‏ وعلامةً على صِدْقي، فأجاب اللَّه تعالى دعوةَ عيسى عليه السلام، وقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ‏}‏، ثم شَرَطَ عليهم سبحانه شرْطَهُ المتعارَفَ في الأمم؛ أنه مَنْ كَفَر بعد آية الاقتراح، عُذِّب أشدَّ عذابٍ، والجمهور أنَّ المائدة نزلَتْ كما أخبر اللَّه سبحانه، واختلفوا في كيفيَّة ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي‏:‏ نزلَتِ المائدةُ خُبْزاً وسَمَكاً، وقال عطية‏:‏ المائدةُ سمكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ طعامٍ، وقال ابنُ عبَّاس‏:‏ نزل خُوَانٌ عليه خْبُزٍ وسَمَكٌ يأكلون منه أينما نَزَلُوا، إذا شاءوا، وقال عمَّار بن ياسر‏:‏ سألوا عيسى مائدةً يكون عليها طعامٌ لا ينفَذُ، فقيل لهم‏:‏ إنها مقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئُوا، أو تخونُوا، فإن فعلتم، عُذِّبتم، قال‏:‏ فما مضى يومٌ؛ حتى خَبَّئُوا، وخانوا، يعني‏:‏ بني إسرائيل، فمُسِخُوا قردةً وخنازيرَ، وقال ميسرة‏:‏ كانَتِ المائدة، إذا وُضِعت لبني إسرائيل، اختلفت عليهم الأيدِي بكلِّ طعامٍ إلا اللحم، وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممَّا رأَيْتُ اختصاره؛ لعدم سَنَده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 118‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏116‏)‏ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏117‏)‏ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏118‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ ءأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي وغيره‏:‏ لما رفَع اللَّه عيسى إلى السماء، قالَتِ النصارى ما قالَتْ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عَنْ قولهم، فقال‏:‏ ‏{‏سبحانك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ويجيء على هذا قولُهُ‏:‏ ‏{‏وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ‏}‏، أي‏:‏ في التوبة مِنَ الكُفْر؛ لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس‏:‏ هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة يقوله اللَّه له على رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنَّ ما كانوا فيه باطلٌ، ف ‏{‏قَالَ‏}‏؛ على هذا التأويلِ بمعنى‏:‏ «يَقُولُ»؛ ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ؛ لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِراً‏:‏ ‏{‏وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت؛ لا اعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك؛ فلأنك أهْلٌ لذلك؛ لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسى هذا على جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ؛ ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 119‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سبحانك‏}‏، أي‏:‏ تنزيهاً لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به؛ ‏{‏مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ‏}‏، أي‏:‏ ما يكون لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ‏}‏ لأنك أحطت بكلِّ شيء علماً وأحصيتَ كلَّ شيء عدداً فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ وقوله ‏{‏تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي‏}‏، خصَّ النفْسَ بالذكْرِ؛ لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواء على المعلومات‏.‏

والمعنى‏:‏ أن اللَّه سبحانه يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى ألا يكون في نفسه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر «النفْس» هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، في اللسان العربي؛ يقتضيها الإيجَازُ؛ وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 54‏]‏؛ و‏{‏الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة‏.‏

ثم أقر عيسى عليه السلام للَّه تعالى؛ بأنه سبحانه عَلاَّمُ الغيوب، أي‏:‏ ولا عِلْمَ لي أنا بغيب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي‏}‏‏:‏ أي‏:‏ قبضتني بالرَّفْعِ، والتصييرِ في السَّمَاءِ، و‏{‏الرَّقِيبَ‏}‏‏:‏ الحافظ المراعي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز‏}‏‏:‏ أي‏:‏ في قدرتك، ‏{‏الحكيم‏}‏ في أفعالك‏.‏

والمعنى‏:‏ إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏119- 120‏]‏

‏{‏قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏119‏)‏ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏120‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ‏}‏؛ فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه سبحانه، وكُلُّ ما كان أتقى، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى عليه السلام في حاله، وصدْقه؛ فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه‏.‏

ثم ذكر تعالى ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسَعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏ جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نوراً يسعى بين أيدينا بمَنِّهِ‏.‏ والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وَسَلَّمَ‏.‏

سورة الأنعام

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد لِلَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور‏}‏‏.‏

قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية»‏:‏ قال الإمام الفَخْرُ‏:‏ لفظ الحمد مُعَرَّفاً لا يُقَالُ إلا في حَقِّ اللَّه عز وجل؛ لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال‏:‏ الحمد لِزَيْدٍ‏.‏ قاله سيبويه‏.‏

وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس؛ أن النبيِ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ‏"‏‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وفي بعض الآثار‏:‏ ‏"‏ ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها ‏"‏ انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ و‏{‏جَعَلَ‏}‏ هاهنا بمعنى‏:‏ «خلق»، ولا يجوز غَيْرُ ذلك‏.‏

قال قتادة، والسُّدِّيُّ؛ وجمهور من المفسرين‏:‏ الظلمات الليل، والنور النهار‏.‏

وقال فرقة‏:‏ الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد؛ لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِئ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ‏}‏ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا؛ لأن المعنى‏:‏ أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ؛ أي‏:‏ يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومَثِيلُهُ‏.‏

و ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏ في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب؛ لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين‏:‏ إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ‏}‏ فالمعنى‏:‏ خَلَقَ آدم من طِينٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ‏}‏ اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره‏:‏ ‏{‏أَجَلاً‏}‏ أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته، والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب ‏{‏مُّسمًّى عِندَهُ‏}‏؛ لأنه استأثر سبحانه بعِلْمِ وَقْتِ القيامة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏أَجَلاً‏}‏ الدنيا، ‏{‏وَأَجَلٌ مُّسَمًّى‏}‏ الآخرة‏.‏

وقيل غير هذا‏.‏

‏{‏وتمْتَرُونَ‏}‏ معناه‏:‏ تشكون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 6‏]‏

‏{‏وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ‏(‏3‏)‏ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ‏(‏4‏)‏ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الله فِي السموات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ‏}‏ قاعدة الكلام في هذه الآية‏:‏ أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ تعالى أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان‏.‏

وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء‏:‏ تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال‏:‏ وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض‏.‏ وعبر بعضهم بأن قدر‏:‏ وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض‏.‏

وقال الزَّجَّاجُ‏:‏ ‏{‏فِي‏}‏ متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال‏:‏ أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى‏.‏

وإيضاحه‏:‏ أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الله‏}‏ أي‏:‏ الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال‏:‏ وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي الأرض، كما تقول‏:‏ زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و«الشام» و«العراق»، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ ‏{‏الله‏}‏ مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الله‏}‏ ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله‏:‏ ‏{‏فِي السموات‏}‏ بمفعول ‏{‏يَعْلَمْ‏}‏، كأنه قال‏:‏ وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ‏}‏ خبر في ضمنه تَحْذِيرٌ وزَجْرٌ، و‏{‏تَكْسِبُونَ‏}‏ لفظ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءايات رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ‏}‏ تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد عليه السلام وما جاء به‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءايات رَبِّهِمْ‏}‏ «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله‏:‏ ‏{‏تَأْتِيَهُمُ‏}‏‏.‏

و «من» الثانية للتبعيض انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ‏}‏ هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ‏:‏ الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن‏.‏

واختلف في مدة القَرْنِ كم هي‏؟‏

فالأكثر على أنها مائة سَنَةٍ‏.‏

وقيل غير هذا‏.‏

وقيل‏:‏ القَرْنُ الزمن نَفْسُهُ، وهو على حَذْفِ مضاف، تقديره‏:‏ من أَهْلِ قرن‏.‏ قال عياض في «الإكمال»‏:‏ واختلف في لَفْظِ القَرْنِ، وذكر الحربي فيه الاخْتِلاَفَ من عَشْرِ سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي‏:‏ وليس منه شيء وَاضِحٌ، وأرى القرن كُلّ أمة هَلَكَتْ، فلم يَبْقَ منها أحد‏.‏ انتهى‏.‏

والضمير في ‏{‏مكناهم‏}‏ عائد على القَرْنِ، والمخاطبة في ‏{‏لَكُمْ‏}‏ هي للمؤمنين، ولجميع المُعَاصِرِينَ لهم من سائر الناس، و‏{‏السماء‏}‏ هنا المَطَرُ، و‏{‏مِّدْرَاراً‏}‏ بناء تكثير، ومعناه‏:‏ يدرُّ عليهم بِحَسَبِ المنفعة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخرِينَ‏}‏‏.‏

‏{‏أَنشَأْنَا‏}‏‏:‏ اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القَرْنَ إنما هو وَفَاةُ الأَشْيَاخِ، ثم وِلاَدَةُ الأطفال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ‏(‏8‏)‏ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ‏}‏ الآية‏.‏

لمْا أَخْبَرَ عنهم سبحانه بأنهم كذبوا بكل ما جَاءَهُمْ من آية أَتْبَعَ ذلك بإخْبَارٍ فيه مُبَالغة، والمعنى‏:‏ ولو نزلنا بِمَرْأًى منهم عليك كتاباً أي‏:‏ كلاماً مَكْتُوباً في قِرْطَاسٍ، أي‏:‏ في صحيفة‏.‏

‏{‏فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ‏}‏ يريد‏:‏ أنهم بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه؛ ليرتفع كل ارْتِيَابٍ لعاندوا فيه، وتابعوا كُفْرَهُمْ وقالوا‏:‏ هذا سحر مبين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ‏}‏ أي‏:‏ يصدّق محمداً في نُبُوءَتِهِ، ثم رَدَّ اللَّه عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر‏}‏ قال ابن عَبَّاسٍ وغيره‏:‏ في الكلام حَذْفٌ، تقديره‏:‏ ولو أنزلنا مَلَكاً، فكذبوه لَقُضِيَ الأمر بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ‏{‏لَقُضِيَ الأمر‏}‏ أي‏:‏ لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً‏}‏ فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك؛ لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأولى في قوله‏:‏ ‏{‏لَقُضِيَ الأمر‏}‏ أي‏:‏ لماتوا؛ لِهَوْلِ رؤيته، ‏{‏ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ‏}‏، أي‏:‏ لا يُؤَخَّرُونَ‏.‏

ومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلاً يقول في السحاب‏:‏ أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ‏.‏

‏{‏وَلَلَبَسْنَا‏}‏ أي‏:‏ لفعلنا لهم في ذَلِكَ فِعلاً مُلْبَساً يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن‏.‏

قلت‏:‏ وفي البخاري‏:‏ ‏{‏وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ‏}‏‏:‏ لشبهنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 12‏]‏

‏{‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏10‏)‏ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏11‏)‏ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ‏}‏ الآية تَسْلِيَةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به‏.‏

و ‏{‏حاق‏}‏ معناه‏:‏ نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر؛ يقال‏:‏ حَاقَ يَحِيقُ حَيْقاً‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض‏}‏ حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ مَنْ مضى ممن فَعَلَ مِثْلَ فعلهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُل لِّمَن مَّا فِي السموات والأرض قُل لِلَّهِ‏}‏‏.‏

قال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ‏:‏ تَقْدِيرُ الكلام‏:‏ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا قل للَّه‏.‏

والصحيح من التَّأويل أن اللَّه عزَّ وَجَلَّ أمر نبيه عليه السلام أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ يأيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال‏:‏ للَّه أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد‏.‏

ثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏ معناه‏:‏ قضاها وأَنْفَذَهَا‏.‏ وفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ؛ ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ ‏"‏‏.‏ ولمسلم في طَرِيقٍ آخرُ‏:‏ ‏"‏ كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة ‏"‏‏.‏ وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ‏:‏ إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي ‏"‏‏.‏ وفي طريق‏:‏ ‏"‏ سَبَقَتْ غَضَبِي ‏"‏ إلى غير ذلك من الأحاديث‏.‏ انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ فما أشقى مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ‏.‏ تَغَمَّدَنَا اللَّهِ بِفَضْلٍ منه‏.‏

ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه سبحانه بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لَيَجْمَعَنَّكُمْ‏}‏ لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ وأصحها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏الذين‏}‏ رفع بالابتداء، وخبره‏:‏ ‏{‏فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 16‏]‏

‏{‏وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏13‏)‏ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏14‏)‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اليل والنهار‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏وَلَهُ‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏لِلَّهِ‏}‏، و‏{‏سَكَنَ‏}‏ هي من السُّكْنَى، ونحوه؛ أي‏:‏ ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ‏.‏ قاله السدي، وغيره‏.‏

وقالت فرقَةٌ‏:‏ هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السموات والأرض‏}‏ الآية‏.‏

قال الطبري وغيره‏:‏ أُمِرَ عليه السلام أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَاباً لكلامهم‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه تعالى له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتوقيف‏:‏ أغَيْرَ اللَّه الذي هذه أَفْعالُهُ أتخذ وليًّا، بمعنى‏:‏ أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ ممن يفعله‏.‏

والولي لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك‏.‏

ثم أخذ في صفات اللَّه تعالى فقال‏:‏ ‏{‏فَاطِر‏}‏ بخَفْضِ الراء نَعْتٌ للَّه عز وجل‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏فَاطِر‏}‏ الجمهور بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ، وغيره على أنه نَعْتٌ ‏{‏لِلَّهِ‏}‏‏.‏

وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ؛ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل‏.‏ انتهى‏.‏

و «فطر» معناه‏:‏ ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ‏:‏ شَقَّ، ومنه ‏{‏هَلْ ترى مِن فُطُورٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 3‏]‏ أي‏:‏ من شُقُوقِ‏.‏

و ‏{‏يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ‏}‏ المقصود به‏:‏ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى ‏{‏عظِيمٌ‏}‏‏.‏

قال المفسرون‏:‏ المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة ‏{‏عَصَيْتُ‏}‏ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه‏.‏ واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة‏.‏

وقرأ نَافِعٌ وغيره «من يُصْرَف عنه» مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ‏.‏

وقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي»، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَذَلِكَ‏}‏ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، و‏{‏الفوز‏}‏ النَّجَاةُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏

‏{‏وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏18‏)‏ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ‏}‏‏.‏

يَمْسَسْكَ‏:‏ معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد‏:‏ سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية‏:‏ الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه؛ إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً‏.‏

وعن ابن عَبَّاسٍ قال‏:‏ كنت خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال‏:‏ ‏"‏ يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ‏:‏ احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ‏"‏ رويناه في الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏

وفي رواية غير الترمذي زيادة‏:‏ ‏"‏ احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ وفي آخره‏:‏ ‏"‏ واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً ‏"‏‏.‏ قال النووي‏:‏ هذا حديث عَظِيمُ الموقع‏.‏ انتهى من «الحِلْيَة»‏.‏

وقرأت فرقة‏:‏ «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن»، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ‏}‏ معناه على قول الجمهور‏:‏ بلاغ القرآن، أي‏:‏ لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف؛ لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لِطُولِ الكلام‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ ومن بلغ الحُلُمَ‏.‏

وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ‏.‏ وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام‏.‏

وذكر الطبري أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا‏:‏ يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم‏:‏ «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ» فنزلت الآية‏.‏ واللَّه أعلم‏.‏

وأمر اللَّه سبحانه نَبِيَّهُ عليه السلام أن يعلن بالتَّبَرِّي من شَهَادَةِ الكفرة، والإعلان بالتوحيد للَّه عز وجل والتبرِّي من إشراكهم‏.‏

قال الغزالي في «الإحياء»‏.‏ وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ، فالمقصود به الاعْتِبَارُ‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 120‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 138‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيَ إلَيَّ هذا القُرءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ‏}‏‏.‏

قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي‏:‏ من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ اللَّه عز وجل انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 22‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ‏}‏‏.‏

قال قتادة، وغيره‏:‏ يعرفون محمداً عليه السلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم‏}‏ الآية؛ روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجَنَّةِ في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين‏.‏ وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ المعنى‏:‏ واذكر يوم نحشرهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 26‏]‏

‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ‏(‏23‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏25‏)‏ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ‏}‏‏.‏

الفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ‏.‏ ومن قال‏:‏ إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من‏:‏ فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ؛ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ *** ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 42‏]‏ فانظره هناك‏.‏

قال * ع *‏:‏ وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال‏:‏ معذرتهم‏.‏

وقال الضَّحَّاك‏:‏ كلامهم‏.‏

وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ‏}‏ هذا خِطَابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال‏:‏ ‏{‏كَذَّبُواْ‏}‏ في أَمْرِ لم يَقَعْ؛ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشْكَالَ في اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ‏.‏

‏{‏وَضَلَّ عَنْهُم‏}‏ معناه‏:‏ ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً‏}‏ الآية‏.‏

«أكِنَّة» جمع‏:‏ كنان، وهو الغِطَاءُ ‏{‏أَن يَفْقَهُوهُ‏}‏ أي‏:‏ يفهموه، والوَقْرُ الثقل‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا‏}‏‏.‏ الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين‏}‏ إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر‏.‏ وقيل‏:‏ أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ‏.‏

وقيل‏:‏ جمع أُسْطُورة كَأُعْجُوبة، وأُضْحُوكة‏.‏ وقيل‏:‏ هم اسم جَمْعٍ، لا واحد له من لَفْظِهِ كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ، والمعنى‏:‏ إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ‏.‏

‏{‏وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ‏}‏ قال قتادة وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ يَنْهَوْنَ عن القرآن‏.‏

وقال ابن عباس وغيره‏:‏ يَنْهَوْنَ عن النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى‏:‏ ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم، والنَّأْيُ البُعْدُ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَإِن يُهْلِكُونَ‏}‏‏:‏ إن نافية بمعنى «ما»، و‏{‏أَنفُسِهِمْ‏}‏ مفعول ب ‏{‏يُهْلِكُونَ‏}‏ انتهى‏.‏ ‏{‏وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏ معناه‏:‏ ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حسٍّ، ونَفْيُ الشعور مذمَّةٌ بالغة؛ إذ البهائم تشعر وتحسّ، فإذا قلت‏:‏ فلان لا يَشْعُرُ، فقد نَفَيْتَ عنه العِلْمَ النفي العام الذي يقتضي أنه لا يَعْلَمُ ولا المَحْسُوسات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏27‏)‏ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله جَلَّتْ عظمته‏:‏ ‏{‏وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار‏}‏ الآية‏:‏ المُخَاطَبَةُ فيه للنبي صلى الله عليه وسلم وجواب «لو» محذوف، تقديره في آخر الآية‏:‏ لرأيت هَوْلاً عظيماً ونحوه‏.‏

و ‏{‏وُقِفُواْ‏}‏ معناه‏:‏ حسُّوا، ويحتمل قوله‏:‏ ‏{‏وُقِفُواْ عَلَى النار‏}‏ بمعنى «دخلوها»‏.‏ قاله الطَّبَرِيُّ‏.‏

ويحتمل أن يكون أَشْرَفُوا عليها، وعاينوها‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏ياليتنا نُرَدُّ‏}‏ معناه إلى الدنيا‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ‏}‏ الآية‏:‏ يَتَضَمَّنُ أنهم كانوا يُخْفُونَ أموراً في الدنيا، فظهرت لهم يوم القِيَامَةِ، أو ظهر وَبَالُ ذلك وعاقبته، فحذف المُضَاف، وأقيم المضَافُ إليه مقامه‏.‏

وقيل‏:‏ إن الكُفَّارَ كانوا إذَا وَعَظَهُمُ النبي صلى الله عليه وسلم خافوا، وأَخْفَوْا ذلك الخوف لَئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذَلِكَ يوم القيامة‏.‏

ويصح أن يكون مَقْصِدُ الآية الإخْبَارَ عن هَوْلِ ما لقوه، فعبِّر عن ذلك بأنهم ظَهَرَتْ لهم مَسْتُورَاتهم في الدنيا من مَعَاصٍ وغيرها، فكيف الظَّنُّ بما كانوا يعلنونه من كُفْرٍ ونحوه‏.‏ وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يوم القيامة‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تبلى السرائر‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا‏}‏ إخبار عن أَمْرٍ لا يكون كَيْفَ كان يُوجَدُ، وهذا النوع مما اسْتَأْثَرَ اللَّه تعالى بعِلْمِهِ، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يُتَكَلَّمْ فيه‏.‏

قال الفخر‏:‏ قال الوَاحِدِيُّ‏:‏ هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فَسَادِ قول المُعْتَزِلةِ؛ لأن اللَّه تعالى حكى عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا لِلْقَضَاءِ السابق فيهم‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ‏(‏29‏)‏ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏30‏)‏ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ‏}‏ هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و«إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ والعَوْدَة إلى اللَّه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ هذا بالحق‏}‏ الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به في الدنيا، وقولهم‏:‏ ‏{‏بلى وَرَبَّنَا‏}‏ أَيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَذُوقُواْ‏}‏ استعارة بليغة، والمعنى بَاشِرُوهُ مُبَاشَرَةِ الذائق، و‏{‏بَغْتَةً‏}‏ معناه‏:‏ فجأة، تقول‏:‏ بَغَتَنِي الأمر؛ أي‏:‏ فجأني، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً *** وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُ

ونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا‏}‏ نداء الحَسَرَةِ على تَعْظِيمِ الأمر، وتشنيعه‏.‏

و ‏{‏فَرَّطْنَا‏}‏ معناه‏:‏ قَصَّرْنَا، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏فِيهَا‏}‏ عائد على السَّاعَةِ؛ أي‏:‏ في التَّقْدِمَةِ لها‏.‏ قاله الحسن‏.‏

ويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن‏.‏

قلت‏:‏ قال عَبد الحق في «العَاقِبَةِ»‏:‏ لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى؛ لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رَجَعَ إلى الدنيا لِيَزْدَادَ من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ‏:‏ ‏"‏ ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ ‏"‏ قَالُوا‏:‏ وَمَا نَدَامَتُهُ يا رسول اللَّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ إنْ كَانَ مُحْسِناً نَدِمَ ألاَّ يكون ازْدَادَ، وإن كَانَ مُسِيئاً نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ ‏"‏ خرجه الترمذي‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَحْمِلُونَ‏}‏ الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ‏.‏

وقال الطبري وغيره‏:‏ هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً‏:‏ أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ‏.‏ قال‏:‏ فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ‏.‏ وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول‏:‏ أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال‏:‏ فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ‏.‏

قلت‏:‏ والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها‏.‏

قال مكي‏:‏ وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال‏:‏ ‏"‏ إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امْرِئ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ‏:‏ أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا‏.‏ ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ‏:‏ أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يَسُوءُكَ، فَوَاللَّهِ إنك لأنْتَ الذي تُرَادُ بهَذَا ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏32‏)‏ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ‏}‏ الآية‏.‏ هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى‏:‏ أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تقضى‏.‏ وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم‏:‏ ‏{‏إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 29‏]‏ وهو المقصود بها‏.‏

قال عبد الحق في «العاقبة»‏:‏ اعلم رحمك اللَّه أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها؛ لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّئ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال‏:‏ واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَدْ نَعْلَمُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏نَعْلَم‏}‏ إذا كانت من اللَّه تعالى تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال‏.‏

قلت‏:‏ ونحو هذا لأبي حَيَّانَ قال‏:‏ وعبر هنا بالمُضَارِعِ؛ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم‏:‏ فلان يعطي ويمنع‏.‏ انتهى‏.‏

وقرأ نافع وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ‏.‏

وقرأ الباقون‏:‏ «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ‏.‏

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لاَ يُكَذِّبُونَكَ» بتشديد الذال، وفتح الكاف وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال‏:‏ إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ‏.‏

وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف، وتخفيف الذال، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى‏:‏ لا يكذبونك، أي‏:‏ لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما‏.‏

وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ‏:‏ إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً‏.‏ رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ، ومن جرى مجراه‏.‏

وأسْنَدَ الطَّبَريُّ‏:‏ ‏"‏ أن جِبْريلَ وجد النبي صلى الله عليه وسلم حَزِيناً فسأله، فقال‏:‏ كذبني هؤلاء، فقَال‏:‏ إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ ‏"‏ وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوُقُوعِ بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، و‏{‏يَجْحَدُونَ‏}‏‏:‏ حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار‏.‏